'الحرب الإسرائيلية الأمريكية مع إيران تعيد تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط'
في ظل استمرار الصراع بين إيران وإسرائيل وصمت روسيا والصين، اتجهت الدول العربية إلى تبني موقف جماعي في الرد، وفي الوقت نفسه يشهد العراق تصاعداً في التوترات الداخلية، ما جعل الانقسام بين حكومتيه أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
شهلا محمدي
مركز الأخبار ـ تتواصل الهجمات الإسرائيلية ـ الأمريكية على إيران منذ الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، فيما تردّ طهران باستهداف دول عربية في الخليج والعراق بذريعة وجود مصالح أمريكية، ورغم تصاعد التوتر، لم تُصدر روسيا والصين ولا الدول العربية مواقف حاسمة تجاه هذه التطورات.
في خضم التوتر في المنطقة، تشهد الساحة العراقية مرحلة جديدة من الصراع نتيجة التدخلات الأمريكية ـ الإيرانية التي ساهمت في زعزعة الاستقرار وأعاقت تشكيل حكومة جديدة خلال الأشهر الماضية، وسط تحذيرات من انزلاق البلاد نحو حرب أهلية كما يبقى مستقبل الكرد غامضاً ضمن المعادلات السياسية المتشابكة في المنطقة.
وفي ظل التطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة، ولمناقشة هذه القضايا وتقييمها وتحليل أدوار القوى الفاعلة وفهم تأثيرها على المشهد الإقليمي، أجرت وكالتنا الحوار التالي مع المحللة السياسية نيجار بارتو.
في ظل تباين المواقف داخل إيران واستمرار الهجمات على المصالح الأمريكية، كيف تقيّمين مسار الحرب الحالي؟ وكيف ترين دور الدول العربية في ظل استهدافها من قبل إيران؟
منذ عام 2015، وبعد حرب العراق، حاولت الولايات المتحدة تشكيل تحالف عربي واسع، لكنها لم تنجح بسبب الخلافات بين الدول العربية، إلى أن برز الملف النووي الإيراني واعتبرت الجمهورية الإسلامية تهديداً إقليماً، ورغم ذلك فإن موقع إيران الجيوسياسي وكثافة سكانها حالا دون انخراط هذه الدول في مواجهة مباشرة معها، أما اليوم ومع الهجوم الإسرائيلي والتنسيق الواضح مع واشنطن، فقد أصبح التعاون بين بعض الدول العربية وإسرائيل أكثر وضوحاً.
ويبدو أن إيران، التي اعتمدت طويلاً على خطابها الأيديولوجي ونفوذها عبر الحلفاء، لم تتوقع هذا التقارب العربي ـ الإسرائيلي، كما تكشف التطورات الأخيرة عن انقسام داخلي في المواقف الإيرانية خاصة مع الدعوات لاستهداف القواعد الأمريكية، تلتها هجمات بطائرات مسيّرة على دبي وانتقادات داخلية.
في المقابل، يبدو أن الدول العربية اختارت عدم الرد بشكل منفرد، بانتظار اجتماع مجلس التعاون الخليجي لتحديد موقف موحد، وسط مؤشرات على تعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد أعلنت واشنطن استعدادها لضم هذه الدول إلى تحالفها، ما يعني أن الحرب التي سعت إيران إلى إشعالها في المنطقة قد تتحول إلى تحالف إقليمي ودولي موجّه ضدها.
ما مدى احتمال انضمام هذه الدول إلى التحالف الأمريكي، وهل لديها القدرة على القيام بذلك أم أنها لا ترغب في الانضمام إلى مثل هذا التحالف؟
أعتقد أننا نقترب كثيراً من اللحظة التي ستتقارب فيها الدول العربية مع التحالف الأمريكي الإسرائيلي، صحيح أن التعاون الاستخباراتي والأمني قائم بينهما حتى الآن، لكن من الآن فصاعداً قد تُقدّم السعودية طائراتها للتحالف، أو قد تدخل فيه بشكل محدود أو شامل، وإذا ما شنّت الجمهورية الإسلامية هجمات قبل اجتماع مجلس التعاون الخليجي فسيكون موقفها أكثر تشدداً، لقد ظنّت الجمهورية الإسلامية أن مسلمي العالم سيساعدونها بل وتحدثت مع باكستان قبل ذلك، لكنها لم تُدرك أن السعودية وباكستان تربطهما اتفاقية اقتصادية، وأن باكستان لن تُنهي اتفاقيتها الدفاعية مع السعودية أبداً بسبب الجمهورية الإسلامية التي لم يتبقَّ لها الآن أي قوة دفاعية.
لطالما كانت روسيا والصين من مؤيدي الجمهورية الإسلامية حتى الآن، فلماذا لم تتخذا موقفاً جاداً بدعمها في هذه الحرب؟
قبل أسبوع من الحرب اعتقدت الجمهورية الإسلامية أن الصين وروسيا ستدخلان مياه الخليج العربي لمساعدتها، ولو كان هذا خطأً في التقدير فإن أكبر شريك تجاري للصين هو الولايات المتحدة، ولن تقطع الصين علاقاتها معها بسبب ذلك، حتى قبل اندلاع الحرب عندما فُرضت عقوبات إضافية على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران أرسلت الصين خطاباً إلى الولايات المتحدة تطالب فيه بتخفيض الرسوم الجمركية على منتجاتها إلى 15%، إضافةً إلى ذلك تُعد الصين قوة عظمى من حيث الاقتصاد وتصنيع الأسلحة، لكنها لا تُضاهي الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا العسكرية والدفاعية، وبالنسبة لها تُعتبر مناطق مثل تايوان وجنوب المحيط الهادئ أكثر أهمية الآن من مناطق مثل إيران.
أجرت روسيا بعض المحادثات مع الولايات المتحدة بشأن اتفاق، وأعتقد أن روسيا لا تزال تقدم معلومات أمنية للجمهورية الإسلامية، لكنها لا تملك القدرة على التدخل عسكرياً، وهي منشغلة حالياً بأوكرانيا وليست مستعدة للتضحية بالعلاقة المحدودة التي تربطها بالولايات المتحدة من أجل علاقتها مع إيران، بعبارة أخرى حتى الصين وروسيا تفضلان الحفاظ على علاقاتهما الاقتصادية مع الولايات المتحدة.
هل يمكن أن تتوصل القوى الدولية إلى اتفاق بشأن أوكرانيا، وما دور إيران في ذلك؟ وما انعكاسات التصعيد الحالي على العراق، خصوصاً مع استهداف الحشد الشعبي وتواصل التدخلات الخارجية، وهل يدفع غياب الاستقرار السياسي نحو صراع داخلي؟
نلاحظ اليوم مؤشرات لافتة، فبعد الاتصال الذي جمع ترامب ببوتين بشأن أوكرانيا، طرحت أحاديث عن احتمال نقل إيران لليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة ورغم غياب التفاصيل الدقيقة، ومع ذلك يبدو أن روسيا خاصة بعد الأحداث الدامية الأخيرة بدأت تتخلى عن دعمها للجمهورية الإسلامية، إذ لم تعد ترى فيها قوة تتمتع بشرعية داخلية أو إقليمية يمكن الاعتماد عليها.
بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، يُمثل العراق تحدياً أكبر من سوريا ولبنان، ففي نظر إسرائيل والولايات المتحدة باتت سوريا تمتلك حكومة مركزية ومع كل ما حدث أصبحت أقرب إليهما، أما الحكومة اللبنانية فقد انخرطت بشكل كبير مع حزب الله خلال اليومين الماضيين، حتى أن البرلمان اللبناني يُريد إصدار مذكرة توقيف بحق زعيم حزب الله، وقد نأى لبنان بنفسه تماماً عن حزب الله كما لم تُعلّق إسرائيل على تفجيرات اليومين الماضيين، ما يعني أن لبنان لا يُريد دعم قوى وكيلة.
وقد جرت محادثات مع الولايات المتحدة حول التنمية الاقتصادية في لبنان، وهو أمر مُبشّر لأن هذه الحروب والمشاكل في لبنان قد أعاقت التنمية الاقتصادية بشكل كبير أما قضية العراق فهي مختلفة بعض الشيء، فمنذ عام 2005 إلى عام 2015 كان لدى الجمهورية الإسلامية مصانع لتصنيع القنابل على جوانب الطرق على الحدود الإيرانية العراقية، والتي بدورها حاولت باستمرار زعزعة النظام السياسي من خلال إنتاج جماعات مثل قوات الحشد الشعبي، وأعتقد أنهم يأملون أن يُشكّل سقوط الجمهورية الإسلامية نقطة تحوّل هامة في استقرار العراق، مع رحيل نظام الجمهورية الإسلامية سيتم تقليص صلاحيات قوات الحشد الشعبي وخفض ميزانيتها، والسيطرة على حدود إيران، أعتقد أن جزءاً من المحادثات بين دونالد ترامب وقادة إقليم كردستان كان يدور حول هذا الموضوع.
ما هو دور الكرد هنا، فهم يشكلون جزءاً هاماً من قضايا الشرق الأوسط نظراً لتواجدهم في أربع دول وهي تركيا، وسوريا، والعراق، وإيران؟ ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الكرد في هذه التوترات أو في حلها؟
يدرك الكرد أن مواجهة أمريكا ستكلفهم الكثير، ولم أرهم يتخذون موقفاً مناهضاً لأمريكا أو يتصرفون بطريقة أمريكية خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية، في الوقت نفسه ترى العديد من الأحزاب الكردية أن وجود أمريكا خاصة في العراق عاملٌ في منع الهجمات التركية، لذا أعتقد أن اتخاذ القرار سيكون صعباً بعض الشيء على الكرد، من جهة أخرى وللأسف في روج آفا وغيرها شكلوا تحالفات عديدة، ولم تحقق هذه التحالفات الفوائد والمصالح المرجوة للكرد، أو أنها سلبتها منهم وبعد بضع سنوات أُلغي هذا الاتفاق مجدداً، لذلك تنظر الأحزاب الكردية إلى هذه القضايا بتفكير وحذر.
لا يزال مصير إيران وأهداف ترامب غامضاً، لذا من الحكمة توخي الحذر في هذا المناخ السياسي، وأعتقد أن الأحزاب الكردية أدركت أهمية قضاياها التاريخية وهويتها، وفي الوقت نفسه حاجتها إلى الأسواق العالمية للتنمية والتقدم وحاجتها إلى التواصل الجغرافي، وأظن أن كرد كردستان سيستفيدون أكثر في إيران حرة وديمقراطية، وأعتقد أن الأحزاب الكردية أدركت ذلك لكن مدى قدرتها على التفاوض مع الولايات المتحدة وإسرائيل في هذا الشأن سيتضح في الأيام القليلة المقبلة، وقد أثاروا الآن نقاشاً حول الفيدرالية لكردستان.